الثلاثاء , 26 سبتمبر 2017

العالم العربي بين الهوية الصهيونية والهوية الصفوية

image

 

ما يواجهه العالم العربي اليوم هو أقرب ما يكون إلى ما واجهه من تحديات مطلع القرن المنصرم، يوم سقوط الخلافة العثمانية وبروز دول، أسفر عن زلازل كبروز ما سُمي زوراً وبهتاناً بالدولة الوطنية، التي أثبتت الثورات أنها أبعد ما تكون عن الوطنية والوطن، لكن التحدي الأبرز الذي واجهه العالم العربي آنذاك هو الهوية الصهيونية التي كانت قد تشكلت وتعمقت وتجذرت في مؤتمر بازل بسويسرا عام 1898، وتطورت وتنامت والتف حولها غالبية يهود من يسار ويمين ووسط، وهي فترة كافية لتبلور الهوية الصهيونية في مواجهة هويات عربية مفتتة ومتشظية، وأقرب ما تكون إلى الصراعية مع انهيار الهوية الجامعة للعرب يومها، وهي الهوية العثمانية بغض النظر عن تفسخها يومها، فظهرت دول محتلة بلا هويات.
وظل العالم العربي أسير اللاهويات حتى يومنا هذا، وكل ما طُرح من هويات استبدادية كانت تعكس حال الحاكم المستبد، لا علاقة لها بهوية يلتف حولها المواطن والشعب فضلاً أن يدافع عنها، وأكثر ما فضح ذلك كله هو الربيع العربي، حيث كشّر الاستبداد عن أنيابه، معيداً سيرة سلفه لويس السادس عشر أنا الدولة والدولة أنا، ومن أنتم، فأطلق القذافي على شعبه صفة الجرذان، بينما آثر الطبيب بشار الأسد نعتهم بالجراثيم، ولعله الشيء الوحيد الذي تعلمه من دراسته، مستدعياً كل حثالات الأرض لحمايته، ورافعاً شعار الأرض لمن يدافع عنها، بعد أن كانت الشيوعية والاشتراكية أقل استبدادية منه حين اكتفت بالقول الأرض لمن يزرعها.
استغلت الصهيونية هذا الفراغ الرهيب للعالم العربي من غياب الهوية، وبدأت حملتها في اقتلاع الشعب الفلسطيني عن أرضه، مع تجييش وتعبئة يهود للهجرة إلى أرض الميعاد كما وصفوها، فلا قيمة لأغلبية وأكثرية بلا هوية وبلا مشروع، وقد أثبت التاريخ ذلك مع يهود، ومع المشروع الطائفي العلوي في سوريا، والآن يثبته مجدداً في ظل التمدد الصفوي الإيراني رافعاً شعار الهوية الشيعية ومستقطباً كل حثالات الأرض لتعزيز هذه الهوية، مستغلاً بشكل مريع ورهيب غياب الهوية السنية لمواجهة هذا التحدي الخطير، وهو نفس الخطأ الذي ارتكبه العرب في عدم رفع هوية دينية، ولا حتى عربية في مواجهة المشروع والهوية الصهيونية مطلع القرن الماضي وما بعده، واليوم يكررون نفس الخطأ الخطير.
تتعالى أصوات بعض النخب على استحياء في الدفاع عن أهل السنة، وكان على رأسهم الأخ والزميل العزيز جمال خاشقجي في مقاله الجريء أخيراً وبعنوان «دافع عن السنة ولا تبال» وهي خطوة جريئة، والذي كان أشبه ما يكون بصوت في البرية، فكل الحروب العقدية والدينية لا يمكن أن تواجه إلا بعقيدة أقوى منها، ولذا فقد دعم كارتر وريغان من بعده المجاهدين الأفغان لإلحاق الهزيمة بالسوفيتي، وحين سئل المبعوث الأميركي إلى المجاهدين في التسعينيات بيتر طومسون عن سبب دعم الأميركيين لمقاتلين متشددين حسب قولهم كزعيم الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار، أجاب: «العقيدة الشيوعية لا يمكن هزيمتها إلا بعقيدة أقوى منها، ولذا فقد دعمنا هؤلاء المجاهدين».
اليوم إن أراد العالم العربي ومن وراءه هزيمة الصفويين والروس في سوريا، فلا بد من دعم هؤلاء المجاهدين القادرين على إغراق إيران ومن خلفها روسيا بالمستنقع الشامي، أما التصريحات والمؤتمرات ودعم جماعات وشخصيات منبتة عن الشعب السوري وثورته فهذا سيساعد على إنجاح المعتدين، والأمر الثاني العاجل الذي يتطلب تضافر جهود نخب وصناع قرار فهو طرح الهوية السنية المهددة هذه الأيام بالاقتلاع والتهجير والإبادة في أعرق معاقلها كالشام والعراق واليمن، فهي الهوية الوحيدة اليوم القادرة على وقف الطوفان الشيعي، وينبغي ألا نكذب على أنفسنا بحجة الطائفية ونحوها، فأهل السنة كانوا على مدى التاريخ هم الأمة وغيرهم الطوائف، ولا بد أن يتقدموا الركب كما تقدموه لعشرات القرون.

شاهد أيضاً

الاثري: ذكرى تسمية صاحب السمو قائدا للعمل الإنساني ستظل خالدة

هنأ مدير عام الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب الدكتور احمد الاثري صاحب السمو أمير البلاد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *